أزعم أن الربيع العربي الذي فاجأ الجميع أصبح معلما للتأريخ في تاريخ العالم العربي,
وسيذكر المؤرخون في أسفارهم النقلة النوعية التي أحدثها الربيع العربي إن على مستوى
قمة بعض الأنظمة أو على مستوى جماهير الشعوب التي أصبحت لا تخاف بأس الأنظمة
ولا رهق الثورات.
ولقد أدركت القوى الإقليمية جدية الشعوب في كنس الطغاة وطي صفحة الاستبداد فآثرت
الانحناء والتموقع في الأماكن التي لا تتضرر بها المصالح ,لأن إرادة الشعوب غالبة
والشعوب إذا انتفضت لا يستطيع أحد إيقافها.
غير أن بعض الأنظمة العربية لم تستوعب الدرس, وأصرت على التمسك بالمنطق
الماضوي الاستبدادي و تسفيه الربيع العربي والتعامل معه ببرودة لا تحسد عليها , معتبرة
إياه سحابة صيف طلت ثم اضمحلت ولاحت ثم راحت!! ليس هذا فحسب بل هي ماضية
في الفهلوة السياسية والتعامل بمنطق ” هذا لقماش!!! “.
فعندما تتطلع الشعوب إلى إصلاحات عميقة وشاملة للقمة والقاعدة والأطراف, لا يعني
ذلك ترتيب الأوراق وإعادة الديكور وتأثيث الساحة بأحزاب سياسية جديدة وتغير مكان
الطبخ – ويبقى الطباخ هو هو !!!- وانتهاج سياسة ” التنفيس” برفع حالة الطوارئ مع
بقاء قيودها , والسماح باحتجاجات ومظاهرات مرخصة من وزارة الداخلية تشارك فيها
عيون المخابرات ؟؟
وعندما تريد الشعوب استعادة سيادتها بانتخابات نزيهة وشفافة تزيح المطبلين والمزمرين
والمشنكحين و”الشياته” من على المنصة لا يعني ذلك تعميم الصناديق الشفافة على مراكز
الاقتراع ,أو توفير الحبر الفسفوري أو استقدام رهط من المراقبين الأجانب !؟ خاصة وأن
إزاحة الأوغاد لا تتم بهكذا انتخابات وصدق المفكر الأمريكي تشو مسكي نعوم عندما قال:
(للأسف لا يمكن التخلص من الأوغاد عن طريق الانتخابات لأننا لم ننتخبهم أصلا).
































