Yahoo!

حديث الافتراق

كتبهاعبد الغفور ديدي ، في 5 فبراير 2010 الساعة: 16:11 م

 

   يعتبر حديث الافتراق من الأحاديث التي شغلت الفكر الإسلامي و الصحوة بما لا طائل تحته خصوصا بعد ما اتخذ منه فلول المتفقهين ذريعة لتمزيق الصف الإسلامي و الحيلولة دون استئناف الوحدة الإسلامية التي لا يفسد فيها الاختلاف للود قضية . وفهموا من هذا الحديث أن تفرق الأمة قدر لازم وأمر دائم , وضربوا بما صح من النصوص المستفيضة التي تشهد للأمة بالخيرية عرض الحائط , بل فتحوا النار بهذا الحديث على جماهير الأمة تبديعا وتضليلا . 
مع أن حديث الافتراق هذا لا يصح رواية ولا دراية وما صح منه عند بعض المحققين من أهل العلم قوله صلى الله عليه وسلم :( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة ) وهذا القدر من الحديث بدون الزيادة التي وردت في بعض الروايات ( كلها في النار إلا واحدة ) لا يعدو كونه علما من اعلام النبوة قال الشيخ العلامة محمد الحسن ولد الددو الشنقيطي :( إن قول النبي – صلى الله عليه وسلم - افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة . هذا القدر من الحديث صحيح أخرجه الحاكم وغيره . وهو يصح برواياته المختلفة . أما الزيادة وهي كلها في النار إلا واحدة . أو كلها في الجنة إلا واحدة . أو من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي . فكل هذه الزيادات لا تصح . إذن الحديث الصحيح هو فقط إثبات الفرقة وهو علم من اعلام النبوة ودليل من دلائلها . لكن كونها في النار أو في الجنة أو انه ما كان عليه هو وأصحابه هذا لا يصح منه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) اه .
فهو لا يصح سندا بهذه الزيادة وكل الطرق التي روي بها ضعيفة الإسناد والذين صححوها إنما صححوها بانضمام بعضها إلى بعض مع أن هذه التقوية غير مسلم بها . قال الشيخ يوسف القرضاوي :( و الذي أراه أن التقوية بكثرة الطرق ليست على إطلاقها . فكم من حديث له طرق عدة ضعفوه .كما يبدو ذلك من كتب التخريج والعلل وغيرها ‼ وإنما يؤخذ فيما لا معارض له . ولا إشكال في معناه )[1] . وقد أورد صاحب رسالة :‹ تنبيه الحذاق إلى بطلان حديث الافتراق › ص/ 2-3 , روايات الحديث وبين ضعفها ننقل منه بتصرف يسير مايلي :
·       روي هذا الحديث عن أبي هريرة مرفوعا وفي إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وهو ضعيف قال ابن حبان :( يخطئ ) وقال ابن معين :( مازال الناس يتقون حديثه ) وقال ابن سعد: ( يستضعف ) .
·       وروي عن معاوية مرفوعا وفي سنده أزهر بن عبد الله الهوزاني قال الأزدي: ( يتكلمون فيه ) وأورده ابن الجارود في كتاب الضعفاء .
·       وروي عن عوف بن مالك مرفوعا وفي سند روايته عباد بن يوسف وهو ضعيف أورده الذهبي في الضعفاء برقم – 2089-
 
 
·       وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا عند الترمذي في السنن (5/26) وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف .
·       وروي عن أبي أمامة مرفوعا عند ابن أبي عاصم في السنة :( 1/25 ) وفي إسناده قطن بن نسير وهو ضعيف منكر الحديث .
·       وروي عن عبد الله بن مسعود مرفوعا عن أبي عاصم في سنته وفي سنده عقيل الجعدي قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (4/209 ) : ( قال البخاري منكر الحديث ) .
·       وروي عن علي بن أبي طالب وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف جدا قال ابن حجر في التقريب برقم (5685 ) :( اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك ) .
·        وروي عن أنس بن مالك من سبعة طرق مظلمة لا تخلو من كذاب أو وضاع .
وقد طعن العلامة ابن الوزير في الحديث قائلا :( وإياك و لاغترار ب كلها هالكة إلا واحدة فإنها زيادة فاسدة غير صحيحة القاعدة ولا يؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة ) [2]. ونقل عن الإمام أبو محمد بن حزم أنها موضوعة غير موقوفة ولا مرفوعة .
وأيد تضعيف هذه الزيادة العلامة صديق حسن خان القنوجي وتبعه في ذلك الإمام محمد بن علي الشوكاني.
أما متن الحديث فلا يخفى وهنه على أهل الشأن ويمكن توضيح ذلك من وجوه :
·       إن الله سبحانه وتعالى وصف هذه الأمة بالخيرية وبوأها منصب الشهادة على الناس في قوله } كنتم خير أمة أخرجت للناس { وأما هذا الحديث فيقرر أن هذه الأمة شر الأمم وأكثرها تفرقا . فاليهود افترقوا على إحدى و سبعين فرقة ثم جاء النصارى فكانوا أسوأ من ذلك حيث افترقوا إلى اثنتين وسبعين فرقة وجاء المسلمون فكانوا أسوا وأسوا حيث افترقوا إلى ثلاثة و سبعين فرقة .    
·       هذا الحديث حكم على فرق الأمة كلها – إلا واحدة – بأنها في النار وهذا خلافا لما جاء في فضل الأمة وأنها امة مرحومة و أنها تمثل ثلث أهل الجنة أو نصفها .
·       مما يؤكد بطلان الحديث من حيث متنه أن كل من صنف في الفرق أورد أسماء فرق مغايرة لما أورده الآخر . فما كتبه البغدادي في الفرق بين الفرق لا يشبه ما كتبه الشهرستاني في الملل والنحل و ما كتبه الشهرستاني مخالف لما نقله الشاطبي في الاعتصام عن الإمام أبو بكر الطرطوشي . وذلك لأن تعيين أسماء الفرق تحكم لا دليل عليه . فالفرق إنما تصير فرقا إذا خالفت في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة لا في جزئي من الجزئيات:( إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعا . و إنما ينشا التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية لأن الكليات تقتضي عددا من الجزئيات غير قليل . و شاذها في الغالب أن لا يختص بمحل دون محل ولا باب دون باب ) [3] .
·       أن الفرق لازالت تحدث في كل عصر ومصر بحيث يتعذر حصرهم .فقد كتب الإمام عبد القاهر البغدادي ‹429 ه › كتابه الفرق بين الفرق ذكر فيه ثلاثا وسبعين فرقة وقد حدث من زمانه إلى اليوم فرق أخرى تزيد على تلك الفرق بأضعاف كثيرة .
·       الخبر عن اليهود والنصارى بأنهم افترقوا إلى ما يزيد على السبعين فرقة غير معروف في تاريخ الملتين خصوصا اليهود . فلا يعرف أن فرقهم بلغت هذا المبلغ من العدد .
·       الخلاف ليس كله مذموم . فمنه الجائز المحمود ومنه المحرم المذموم فمن النصوص التي تحرم الخلاف قوله تعالى } واعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا { آل عمرن 103. وهناك نصوص تجيز الخلاف منها قوله تعالى     }ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله { الحشر 5 . و ما رواه البخاري (9/101) عن عبد الله بن مسعود أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( كلاكما محسن ) وحديث الصلاة في بني قريظة رواه البخاري ( 2/436 ) من حديث ابن عمر .
 
وثمة لفتة أشار إليها الشيخ يوسف القرضاوي وهي أن حديث الافتراق رغم أهمية موضوعه لم يرد في أي من الصحيحين . دلالة على أنه لم يصح على شرط واحد منهما . و ما يقال من أنهما لم يستوعبا الصحيح فهذا مسلم . ولكنهما حرصا ألا يدعا بابا من أبواب العلم إلا ورويا فيه شيئا ولو حديثا واحدا .
وبهذا ندرك أن حديث الافتراق لا ينهض للاحتجاج به وأن زيادة كلها في النار إلا واحدة أوهن من بيت العنكبوت عند عرضها على بساط التحقيق .


[1]الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم ص/ 51 .
 
[2]العواصم من القواصم ( 1/186 ) .
[3]الاعتصام (ص/416 ) ط : دار اشريفة .
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قناديل |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “حديث الافتراق”

  1. الـسّــلام عليكم أخي عــبــد الـغــفـُــور…

    آمـُــلُ أنّــك بألف خـيــر..

    و÷ُــوَمُــرُور للتحيّـة و الإطمئنان عليك ليس أكـثــر…!!

    لـكــن دعـنـي أقـُــول.. أنّـنــا حينَ نـعــرضـُـهــا عـلـى بـســاط التحـقـيـق و الـتّـمــحـيــص.. أكـثـَــر…

    نـُـدركُ و نتيقّن أنّ الله واحــِــد…

    وديـنـُــهُ واحـِــد…!

    و الـحلال بيّن.. و الـحــرامُ بيّن…!!

    و مـن أحـسَــنَ فـلـنـفـسِــه.. ومـَـن أسَــاءَ فـعـلـيــهــا…!!

    أمّــا ما دون ذلك من ألــوان الـتّــفرقَـة.. و الـّـمـيـيــز.. ومهما كانت أشكالـُـهــا و أصــنــافُـهـَــا…

    فكلّها مِـن وَحـي الـشّـيــطــان.. وَ الـبــاطِــل..

    مــاأتـى الله بِـهـَــا مِــن سُـلــطـَـان…!!!

    نـسـأل الله العـفــو و الـسّــلامـَــة.. و الصّــلاح.. و الـهِــدايـَــة…

    و أسـتــوعـدك الله الذي لا تضيعُ وَدائـعـه أُخــيّ..

    و فيما بَــعــد.. إن شاءالله…



اكتب تعليــقك